نظرة في مفهومي التفسير والتأويل:
نظرة
في مفهومي التفسير والتأويل:
لاشك
أن الإنسان يسعى دائماً إلى الفهم وتفسير جميع الظواهر ؛ التي تحيط به بالتفاعل معها ، وكشف الحقائق
الكامنة وراءها بوعيه وثقافته ، وليس هذا مقتصراً على ظواهر الطبيعة ، بل يشمل
أيضاً كل ما ينتجه الإنسان من فنون وإبداعات ، ومنها فن القول من نصوص مكتوبة أو
منطوقة ، فما دام الإنسان يعيش في جماعات وبيئات ، فإنه شاعر منذ القديم بالحاجة
إلى التخاطب والتفاهم ، ومنذ كانت الكتابة آنذاك ، وكان النص كانت القراءة ، وكان
التفسير والشرح في النصوص المكتوبة دينية أم بشرية ، أدبية ، أم علمية – عملية
للفهم ، وكشف المعاني التي يريد الكاتب أن يوصلها إلى الآخرين ليطلعهم عليها ، ولم
تكن النصوص واضحة دائماً بحيث يدركها القارئ بسهولة ؛ إذ الفكرة قد تكون من
التعقيد بحيث تعجز الألفاظ في بعض التراكيب من الوفاء بها ، وقد تكون من اللطف
والرهافة بحيث يندفع الكاتب إلى تجاوز الطاقة اللغوية على الحقيقة إلى توظيف
المجاز واستحداث العبارة الطريفة البليغة المؤثرة([1])
، فكان الفهم وما زال ذا إشكال في بعض النصوص اللغوية التي تدعو إلى الاحتمالية
والتعدد في المعنى والتأويل.
ولأجل
ذلك لم يكن التأويل مقتصراً على النصوص المقدسة دون النصوص الأخرى من الفكر البشري
أيضاً ؛ لأن منشأ النوعين من النصوص هو اللغة نفسها ؛لأن التأويل في حقيقته وثيق
الارتباط بالألفاظ بوصفها منجماً للمعاني الحقيقية والمجازات ([2])
، بيد أن النصوص الدينية ذات خصوصيات لا توجد في غيرها ، ومن أجل هذا لزم التأني
في الأمر والتأتي تجنبان المؤول سوء الفهم في التعامل التأويلي مع
القرآن الكريم([3])
، وهو ليس محدداً ، وليس سهلاً بحيث نستطيع أن نحده ، ونشرح جميع معطياته
وإجراءاته ، وحسبنا السعي إلى توضيح خطوطه العامة ليكون منهاجاً لنا في الدرس الذي
نستعد للقيام به.
لقد
ارتبط التأويل العربي قديماً بالنص المقدس ؛ فكان منهجاً عقلياً القصد منه أبعاد
كل التصورات التي لا تُليق بالخالِق ، والتوفيق بين العقائد الدينية التي ثبتت
بالوحي ، وبين العقل ، من ذلك ما
قام به بعض علماء اليهود والنصارى قبل
الإسلام من محاولات كلامية تشبه ما قام به بعض علمائنا المسلمين من شيعة ومعتزلة
من اجل تنزيه الخالق عن كل ما لا يليق به من التجسيم والتشبيه([4])
.
ونلخّص
من الكلام السابق أن نصوصاً في القرآن الكريم وردت على معاني إذا حملت على الظاهر
أحدثت إشكالا بين النص من جهة ، وبين الحقيقة والعقل من جهة أخرى ، فعلينا إذاً
التماس التخريجات التي تحل هذا التضارب ، والطريق الذي يخرج به النص من الإشكال هو
التأويل الذي طريقه إخراج دلالة اللفظ من الحقيقة إلى المجاز([5])
، ومادامت اللغة هي المسؤولة عن المساعدة على هذا الإخراج ، فلابد لنا هنا من
الرجوع إلى اللغة نفسها لتأطير الحدود العامة للتأويل ، وتفريقه عن مصطلح
"التفسير" ، ونبدأ الحديث عن المعنى اللغوي للتأويل ، وهو من: الأوْل ،
ويعني الرجوع ، يقال: ((آل الشيء يؤول أولاً ومآلاً رَجَعَ ، وأوّل إليه الشيء:
رجّعهُ ، وأُلتُ عن الشيء ارتددت ، وفي الحديث : (من صام الدهر فلا صام ولا آل)([6])
، أي رجع إلى خير … ، وأوّل الكلام وتأوله: دبّره وقدّره))([7])
، ومن المأثور قول من قال:(( طبخت الشراب فآل إلى قدر كذا وكذا ،أي: رجع)) (58)
، وقالوا : ((طبخت النبيذ حتى آل إلى الثلث أو الربع ، أي: رجع))([8])
، وقيل: ((أول الكلام وتأوله: فسره))([9]).
وقيل
التأويل مأخوذ من "الإيالة" وهي السياسة ، فكأن المؤول يسوس الكلام ،
ويضعه في موضعه ، قال الزمخشري: ((آل الرعية إيالة حسنة ، وهو حسن الإيالة ،
وائتالها ، وهو ُمؤتال لقومه مِقتال عليهم ، أي سائس محتكم))([10])
.
Comments
Post a Comment